الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
59
مختصر الامثل
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) نعمة الحرية : في هذه الآية إشارة إلى نعمة كبيرة أخرى ، منّ بها اللَّه سبحانه على بني إسرائيل ، وهي نعمة تحريرهم من براثن الظالمين : « وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ » . القرآن عبّر بكلمة « البلاء » عمّا كان ينزل ببني إسرائيل من عذاب يتمثل في قتل الذكور واستخدام الإناث لخدمة آل فرعون . و « البلاء » : يعني الامتحان ، فالحوادث والمصائب التي نزلت ببني إسرائيل كانت بمثابة الامتحان لهم ، كما قد يأتي البلاء بمعنى العقاب ، لأنّ بني إسرائيل سبق لهم أن كفروا بنعمة ربّهم ، فكان ما أصابهم من آل فرعون عقاباً على كفرانهم . من الملفت للنظر أنّ القرآن يسمي ذبح الأبناء واستحياء النساء عذاباً ، ولو عرفنا أنّ استحياء النساء يعني استبقائهن ، وتركهن أحياء ، لاتضح لنا أنّ القرآن يشير إلى أنّ مثل هذا الاستبقاء المذل هو عذاب أيضاً مثل عذاب القتل ، وهذا المعنى يشير إليه الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام إذ يقول : « فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين » « 1 » . عملية الإماتة كانت شاملة للذكور والإناث مع اختلاف في ممارسة هذه العملية ، وفي عالمنا المعاصر يمارس طواغيت الأرض عملية الإماتة أيضاً بأساليب أخرى ، وذلك عن طريق قتل روح الرجولة في الذكور ، ودفع الإناث إلى مستنقع إشباع الشهوات . وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) النجاة من آل فرعون : الآية السابقة أشارت إلى نجاة بني إسرائيل من براثن الفرعونيين ، وهذه الآية توضح طريقة النجاة : « وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ » . قضية غرق آل فرعون في البحر ونجاة بني إسرائيل وردت في سور عديدة مثل سورة الأعراف الآية ( 126 ) ، وسورة الأنفال الآية ( 54 ) ، وسورة الإسراء الآية ( 103 ) ، وسورة
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 51 .